الشاعرة اللبنانية الفرنكفونية: نادية تويني .وأثرها في الشعر العربي الحديث

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • الشاعرة اللبنانية الفرنكفونية: نادية تويني .وأثرها في الشعر العربي الحديث



    ملاك أشرف

    أثر نادية تويني في الشعر العربي الحديث
    24 - مارس - 2025م

    اعترفت الشاعرة اللبنانية الفرنكفونية نادية تويني (Nadia Tueni) بأن الشعراء العظماء لا يموتون أبداً، ولكن ما الكلمات التي يمكن أن تملأ الفراغ الأسود الكبير الذي يتركه الحبيب؟ وُلدت تويني في بيروت عام 1935، ودرست في الأكاديمية الفرنسية في أثينا، قبل أن تتابع دراستها في جامعة القديس يوسف في لبنان. أصدرت مجموعتها الشعرية الأولى عام 1963 بعنوان «نصوص شقراء». وألفت في عام 1970 مسرحية بعنوان «الفرمان» لمهرجان بعلبك الدولي. وفي عام 1972 أصدرت كتاباً شعرياً آخر بعنوان «قصائد من أجل التاريخ»، الذي فازت عنه بجائزة الأكاديمية الفرنسية عام 1973. ثم كتبت «حالم الأرض» (1975) برسومات لور كرباج، تلتها «لبنان، عشرون قصيدة عن حب واحد» (1979) برسومات أمين الباشا وأهدتها لابنتها نايلة، التي توفيت وهي في سن صغيرة بسبب مرضها الخطير. أما مجموعتها الشعرية الأخيرة فكانت بعنوان «أرشيف الحرب العاطفية في لبنان». حصلت نادية على العديد من الجوائز خلال مسيرتها الحياتية، مثل: وسام المجرة الذي تقدمه المنظمة الدولية للفرنكفونية، وجائزة الشاعر اللبناني سعيد عقل.
    كان والدها محمد علي حمادة كاتباً ودبلوماسياً لبنانياً درزياً، بينما كانت والدتها جزائرية فرنسية. نشأت نادية في منزل ثنائي اللغة؛ ما ترك تأثيراً كبيراً على حياتها في ما بعد. إلى جانب زواجها من عميد الصحافة اللبنانية غسان تويني، الذي ينتمي إلى عائلة مسيحية أرثوذكسية شرقية عريقة من الأشرفية في بيروت. صنعت شموساً خلف الجدار، داخل عينيها القمرية المرسومة وفي يديها الباردة، وكما كتبت: « إذا كان الموت جمالاً كاملاً/ فإن كل حياة ترث صباحاً من الطيور/ اللطيفة والقاسية../ من ذلك النهار سأحمل الليل (لا تقل شيئاً لقد تم ذلك)/ في خطواتك حب أبيض ينذر بالسوء». إن قراءة قصائدها أشبه باكتشاف صور منسية محبوسة في أعماق قلوبنا وأدراج بيوتنا.

    أخذتنا نادية تويني إلى آفاق جديدة، حيث للأحلام طعم مختلف. لقد كشفت لنا الماضي من دون أن تهدد الحاضر، وفاجأتنا دوماً باختيارها المُدهش للكلمات. فإنها الوحيدة التي تعرف كيف تضع الكلمة في مكانها داخل الجملة، أو تخرجها عن سياقها المألوف كما فعلت. وصفها الكتاب والشعراء والصحافيون والسياسيون بأنها «طائر لبنان الشجي»، و»اللؤلؤة البيضاء»، و»امرأة النور»، و»أخت الحب»، و»سيدة الشرق». أحبت لبنان وأعطته قلبها النابض وعاشت في أعظم حقبة في هذه البلاد، كانت تتمتع بموهبة حساسة وغنية بالثقافة الأصيلة، وكل ما في شخصيتها كان يعكس إنسانيتها بأسمى معانيها، فهي الشاعرة والمرأة التي تحمل جراحاً بالغة. أدركت أن الكتابة تشكل «انتصاراً مجيداً على الجميع، انتصاراً على الذات» والشعر ليس حادثاً في حياتها بل هو طريقة لوجودها الرومانسي. قالت في بداية النصوص الشقراء: «يا طفل في هذا البلد لم يعد الزمن سيدي/ فالمكان يهيمن عليّ ومع ذلك فهو أنا حقاً/ بعناق يمتلكه ويسحقه ببطء».
    ولتخفيف وطأة آلام الحرب اللبنانية القاسية، لجأت الشاعرة إلى نوع من وحدة الوجود، التي تعني التواصل الوثيق مع العناصر الأساس للكون، إن التعرف على الموت اليومي يزيل الغموض عنه، ويمنحه طابعاً عادياً ومأساوياً ومجنوناً في الوقت نفسه. أصبح شعر تويني أكثر ثراءً بالصور الباهرة، وأكثر تلميحاً ودلالة على المعاني الخفية قبل كل شيء، حيث تنفتح أمام القارئ كرحلة طويلة تبدأ من الذات وتحتوي على صور جريئة تنبثق من كل مكان مثل ومضات خاطفة؛ لذا في الليل تصنع حزمة من النجوم المتساقطة وتخزنها في شعرها، ثمّ تغمض عينيها لتحتفظ بكُلّ هذا الجمال العنيف داخلها، وهذا هو ما يسعى إليه الشِّعر: أن يحافظ الشاعر على نظرة الدهشة تجاه الأشياء والعالم.

    لذلك قالت في إحدى قصائدها ذات مرّة: «هناك بداية طريق على راحة يدك/ الريح تغطي جفوني/ الحب ترك آثار غبار/ إنه الليل في كتاب وضعناه بعيداً/ وصوتك ملون مثل الماء/ ماذا بقي من السماء؟/ حصان مرسوم في الأفق؟/ يقولون إنه فصل الشتاء/ ويتحدثون عن حديقة السعال/ مصير مندهش يسيطر على الحجر». عبّرت الشاعرة عن حالتها النفسية وارتباكها بين الماضي والحاضر؛ ما أظهر التشتت الحقيقةَ المعقدة للوجود الإنساني، وخلق مشهداً شعرياً حياً مليئاً بالمشاعر المكبوتة التي تتأرجح بين الحيرة والفقد.
    وفي قصيدة أرض الكلمات كتبت: «هذا المسار الطفولي/ يقسم جسدي إلى العديد/ من الجذور المختلفة/ لقد مررت بالفعل بأوقات/ أتطلع فيها إلى وجوه المعالم/ أنا فارغ من الترقب/ وكل الكلمات في العالم/ لا تستطيع أن تملأ هذا الترقب/ الألم هو بوصلتي الدقيقة». وتتبعها قائلة: «أخفض صوتي كي أسمع بشكل أفضل/ مضاعفات انتمائي/ وكي أعرف ماذا يعني التعدد، أي الوطن». هنا كشفت عن تفرعات تجربتها الذاتية والعلاقات التي أسهمت في تشكيل هويتها الشعرية. قد توحي هذه الدلالة إلى تشتت الذات بين الانتماءات المتعددة والمراحل الحياتية المختلفة؛ إذ إنها تشير إلى الانقسام الداخلي بين مرحلة الطفولة، والتجارب التي مرّت بها، والتي تركت بصماتها على روحها، بات جسدها في حالٍ من الترقب والخواء الروحي والعاطفي العميق. شعرت بالتمزق وفكرت بجدية حول الهوية والانتماء، في سياق عالمي معقد ومتنوع، حيث فقد «الوطن» معناه التقليدي وتحول إلى مفهوم متعدد ومتداخل. أصبح الألم جزءاً لا يتجزأ من حياة نادية تويني حقاً؛ وعليه مضت قائلة: « في ضبابية المشهد/ بعد موت المدن/ على درب الحب الرئيس/ جسدك في الذاكرة/ يا بستاني الذاكرة/ ازرع زهرة اليقين/أخبرني عن اسم البيت/ الذي شكله في شكلي/ وظله في ظلي/ أخبرني عن الشجرة التي تتناغم/ مع الأرض التي سأجلس عليها/ عندما يمتزج الضوء بالليل». بقيت الريح صديقتها الأكثر تقلباً والأقل أماناً من هذه الكلمات، تواسيها في فوضى الحياة بعد انهيار القيم والمدن وتدمير الاستقرار. ومع ذلك ظل الحب أيضاً هو الدافع المستمر للحياة والوجود، ليبقى المحور الذي يدور حوله الوجود الشخصي الضبابي للشاعر الرومانسي.

    ومن هنا ذهبت تويني إلى قول: «أود أن أكتب لك كل شيء/ إليك ما وراء الكتابة/ الحب أكثر من الحب/ إليك أكرم من الحياة/ نفسي أكثر مما يمكن أن أكون عليه/ أو أنا كما أريد/ لك وحدة ببساطة/ أنت أحن من الماء الأول/ الذي قام بتغطيتي/أود أن أعطيك كل شيء/ كل ربيع كل صيف/ طريق من الضوء لاستكشافه»، لم تكتفِ بتقديم الحب في صور تقليدية، بل تتجاوزها لتقديمه كقوة دافعة لحياة مثالية ورؤية أعلى للوجود. ولم تتخلص من شيء، بل حولت كل شيء إلى زهور/ جمال، وأتقنت التلاعب بالكلمات ببراعة، مثلما فعل أنسي الحاج الذي أحبته، وأصبحت كتعبه الذي يدير العالم ويبحر في عينيه: «الليلة هناك مساحة لكل هذا السفر/ تصطف القوارب الملونة في عينيَّ/ وعالم صوتي يسكن تحت المطر/ هذا المساء عاطفة تعبر الصحراء/ يسترشد بها ساحر/ ذراعاك مياه عذبة/ والليل الذي يحميني قد أغلق عليك». استعملت تويني الطبيعة بشكل مكثف، كالقوارب، المطر، الصحراء، المياه، والليل، لتجسد تأثيرات البيئة على التجربة الإنسانية والمعاناة الداخلية. مزجت القصيدة بين العواطف والبيئة، مُحدثةً تفاعلًا بين الواقع والخيال، ليكون الليل في النهاية سجناً أو قيداً على الشخص الآخر. نلحظ التوازن الأنيق في افتتاحية قصائدها الشجنة، التي كانت بمثابة صرخات متتالية للإفصاح عن ذاتها المتألمة والجريحة، كما قالت: «في هذا المساء، بيني وبين أول وصول، كلمة تلوح في السماء. لأني من صرخة سأبني حياتي».. وتضيف: «أنا أتحدث إلى شيء قديم جدا،/ لأنه من النجم تأتي ذاكرتي،/ تلك التي هي العلية والحديقة»


    بقي الموت يطاردها طوال حياتها، حتى أخذها بعد صراع طويل مع مرضٍ خبيث، بعد مسيرة ثرية ملأتها قصائد شعرية؛ نتيجة لعبقريتها وطبيعتها الحساسة، فضلاً عن فقدانها لأبنائها في سنٍّ مبكرة. كانت الحياة بالنسبة لها ليست سوى الحياة، مجرد استراحة للنظر والتأمل.
    غادرت الحياة في عام 1983، وقد نعاها الشاعر اللبناني أنسي الحاج – الذي كان مهتماً بها – قائلاً إنها عاشت أكثر من الأحياء، وماتت أكثر من الموتى، كجميع الشعراء، وسبقتنا في الرحيل. وكان يرى فيها مصدر المفاجآت، فهي تمثل ذروة القلق وذروة الطمأنينة، حادة ولينة، غامضة وواضحة، سريعة العطب وأصلب من الفولاذ على حدِّ قوله! تركت نادية تويني بصمتها الكبيرة في الشعر العربي الحديث، على الرغم من أن شعرها مكتوب باللغة الفرنسية، فإن تأثيرها لم يقتصر على الشعر الفرنسي فحسب، بل امتد ليشمل الشعر العربي، من خلال قدرتها الفائقة على دمج المشاعر العميقة مع الرؤى الإنسانية والفكرية؛ ما جعل أعمالها قادرة على تخطي الحواجز والحدود الثقافية واللغوية والجغرافية.
    وجدت تويني صوتها في شقوق التاريخ، فترددت كلماتها عبر حدود الزمان والمكان. إن مواجهة شعرها يعني مواجهة الحقيقة الخام المتمثلة في الخسارة والانتماء. عكست حياتها وأعمالها عالماً يتميز بالذاكرة، الثقافة والصراع، وهي مرآة لخطوط الأمة المتغيرة وتطور الذات. حلمت بتدفق الأنهار عكس مجراها واحتضنت بين يديها السنين، التي اختفت كما اختفت بتلات الزهور في الريح، حتى إن أشجار الأرز انحنت يوماً حزناً لها، ومع كل ذلك لم تنسَ الأنهار أغانيها، كانت تويني كالجبال التي تنزف من دون أن تسقط وتنهار. في شعرها، يصبح الشخصي عالمياً، وما فقدته يمكن أن يدوم. تدعونا قصائدها إلى أن نتخيل طريقة جديدة للرؤية الحياتية، أن نحمل الحزن والأمل معا، وأن نحتفظ بالصمت والكلمات في آنٍ واحد، ونجد الشفاء داخل الكسور التي نعيشها.

    ما زلنا نحتفظ في ذاكرتنا بقصيدتها الروحيّة «هل تعود؟» التي تقول فيها: «هل تعود لو قلت إن الأرض/ على أطراف أصابعي/ مثل غصن محترق برد؟/ غالبا ما تموت الطيور في عمق شعرك الأشقر/وتتخذ البحر رذيلة/بسبب أعشابه البحرية الرنانة/ والهاربين الذين يتفككون/ في وقت متأخر جداً ليولدوا كل ثانية/ على ركبهم أمام الوجوه التي كل لون منها/ عبارة عن رقاقة مقدسة/ مثل الحلق الذي استولى عليه الماشية/ التي تلتهم شعاع الشمس،/ هل تعود لو قلت أن الأرض/ على أطراف أصابعي؟». كأن هذه القصيدة تتصل بقصيدة أخرى تحمل فنيةً وجماليةً أكبر، وقد عبرت عنها في ذلك الوقت: «أرغب في أن أكتب لك كل شيء/إليك ما وراء الكلمات/ الحب أعظم من مجرد حب/ إليك أسمى من الحياة/ نفسي أكثر مما يمكن أن أكون عليه/ أو كما أريد أن أكون/ لك ببساطة أنت/ أحن من أول قطرة ماء/ الذي كان يحيط بي/ أود أن أهبك كل شيء/ كل ربيع، كل صيف/ طريق من الضوء لاكتشافه..».

    لطالما استعملت الشاعرة لغة شاعرية رفيعة وأسلوباً رقيقاً للتعبير عن مشاعرها تجاه الشخص الذي تخاطبه. لم تخفِ حنينها أو تضحيّتها أو اندفاعها نحو العطاء، بل عززت هذه اللغة العاطفية قوة مشاعرها التي تريد إيصالها. وبذلك لم تحاول إخفاء تدفق حنينها وعاطفتها في القصيدتين. فاختيارها لكلمة «أحن» جسد تعبيراً دافئاً يشير إلى العاطفة المتدفقة، بينما أشار «الماء الأول» إلى الحياة والنقاء؛ وهذا أضفى على المقطع الأخير طابعاً روحياً لافتاً وإحساساً صادقاً، مليئاً بالحيوية والشعرية.
    وما زالت قصائدها تتردد في أذهان قرائها ومحبيها، خصوصا تلك التي قالت فيها: «أحببني اليوم/ كما يُحبّ أولئك الذين يرحلون». و «إنها مسألة تحمل، ففي تسميتك أخلقك،/ كل قطرة مطر تسجن شمساً،/ والسماء المتموجة تعكس وجهك على بياض الأرض./ إنها مسألة وجود العين الزرقاء لكل حجر/ تدعي أنني أحبك وأنني عرضة للريح/ أختار البحر على الرغم من حطام السفن/ وأن أيدينا المتصادمة ستنتج مساحة نقية/ أريد أن أكون في حاجة إلى كل ما يؤلم/ بدءاً من الورقة المتساقطة خلال الصمت/ أعني أنني أتحكم في موتك/ حبيبي الذي أستحضره».
    غرزت نادية تويني جذورها بعمق قدر الإمكان في الماضي الذي يبدو لها رمزياً على أنه الخلود. وتركت للإنسانية شعراً ينبض بالحياة ويغني للعالم والحب. أعمالها شكلت كنزاً محفوظاً في القلوب وفي منزلها على تلال بيروت، وهي تغري بثرائها وأصالتها الفريدة التي لا تضاهى.

    *كاتبة عراقية
يعمل...