رواد العلوم الرياضية وأهم مؤلفاتهم:
صنّف الرياضيون العرب مؤلفات كثيرة في مختلف فروع العلوم الرياضية ؛ كثير منها كان موسوعيًا شمل كل هذه الفروع، بينما اقتصر بعضها الآخر على البحث في علم بعينه، أو فرع من هذا العلم. وقد أتوا على ذكر كل ما استجد في نظرهم من فروع هذا العلم من الأمم المجاورة وأضافوا عليه إضافات ذكروها في هذه المصنّفات وطبقوها عمليًا.
من القرن الثالث إلى الخامس الهجري. تغطي هذه الفترة إسهام بعض علماء الرياضيات في الحقبة الواقعة بين الخوارزمي وأبي الريحان البيروني. وقد نبغ في تلك الحقبة إلى جانب الخوارزمي والبيروني علماء كثيرون منهم، على سبيل المثال، أبو كامل شجاع بن أسلم وثابت بن قرة وسنان بن الفتح الحراني الحاسب والبوزجاني والبتاني وابن الهيثم وآخرون.
كان الخوارزمي أول من ألّف في الرياضيات على عهد المأمون الذي عيّنه رئيسًا لبيت الحكمة. وكان أعظم مؤلَّف له في حقل الرياضيات كتاب الجبر والمقابلة، وهو الكتاب الذي أثر في كل الأدبيات التي تناولت العلوم الرياضية من بعده، سواءً في الشرق أو الغرب. لذا عُدّ الخوارزمي واحدًا من أكبر الرياضيين في جميع العصور. وقد وضع هذا الكتاب بتكليف من الخليفة المأمون ليفيد الناس منه في التجارة والمواريث، والوصايا، وقياس المساحات الخاصة بالأراضي. واستخدم في هذا الكتاب مصطلح جبر لأول مرة. وقد ترجم هذا الكتاب إلى اللاتينية روبرت الشستري، وهو أول من ترجم القرآن إلى اللاتينية. وكانت ترجمة هذا الكتاب أساسًا لدراسات أشهر رياضيي الغرب مثل ليوناردو البيزي الذي اعترف بأنه مدين للعرب بذخيرته المعرفية في الرياضيات.
تناول الخوارزمي في الجبر والمقابلة موضوعات شتى في حل المعادلات الجبرية. تكلم أولاً عن العدد في حساب الجبر والمقابلة، وقسمه إلى جذر ومال وعدد مفرد، وأتى بأمثلة من المعادلات ذات الدرجة الثانية، وشرح حلولها بطريقة جبرية أو هندسية. وفي باب الضرب، بيَّن كيفية ضرب الأشياء ؛ أي الجذور بعضها ببعض، ثم باب الجمع والنقصان (الطرح)، ووضع فيه عدة قوانين لجمع المقادير الجبرية وطرحها وضربها وقسمتها، ثم باب المسائل الست ؛ وهي مسائل تطبيقية في الجبر أوردها بنصها ثم قام بحلها كنماذج للأبواب المتقدمة، ثم باب المسائل المختلفة ؛ وذكر فيها ضروبًا مختلفة من المسائل تؤدي إلى معادلات من الدرجة الثانية وشرح كيفية حلها. يلي ذلك أكثر الأبواب اعتمادًا على التطبيق العملي، وهو باب المعاملات ؛ ويتضمن المعاملات التي يقوم بها الناس فيما بينهم، ويحتاجون فيها إلى ضرب من عمليات الجبر والحساب كالبيع والشراء والإجارة، وأورد فيه مسائل تتناول البيع والإجارات وما يتعامل به الناس من الصرف والكيل والوزن. يأتي بعد ذلك باب المساحة وأوضح معنى الوحدة المستعملة في المساحات، وأعطى مساحات بعض السطوح المستقيمة الأضلاع والدوائر والقطاعات. أما الخاتمة فهي كتاب الوصايا، وتطرق فيه إلى مسائل عملية وأمثلة كثيرة تتعلق بالوصايا، وتقسيم التركات، وتوزيع المواريث، وحساب الدور الذي يشمل باب التزويج في المرض، وباب العتق في المرض، وباب في العقر في الدور، وباب السلم في المرض. ونعرض فيما يلي نصًا من حديثه في باب المساحة لجزالة لغته وسهولتها: ¸اعلم أن معنى واحد في واحد إنما هو مساحة، ومعناه ذراع في ذراع ؛ فكل سطح متساوي الأضلاع والزوايا، يكون من كل جانب واحدًا ؛ فإن السطح كله واحد. فإن كان من كل جانب اثنان (ذراعان) وهو متساوي الأضلاع والزوايا، فالسطح كله أربعة أمثال السطح الذي هو ذراع في ذراع… وكل سطح مربع يكون من كل جانب نصف ذراع فهو مثل ربع السطح الذي هو من كل جانب ذراع… وكل معينَّة (شكل معيَّن) متساوية الأضلاع، فإن ضربك أحد القطرين في نصف الآخر فهو تكسيرها (حاصل الضرب)، وكل مدورة (دائرة)، فإن ضربك القطر في ثلاثة وسُبع هو الدور (المحيط) الذي يحيط بها…·.
اشتهر أبو كامل شجاع بن أسلم (ت نحو 267هـ، 880م) بالحاسب المصري، وهو من المعاصرين للخوارزمي. ومن مؤلفاته في الرياضيات كتاب الجمع والتفريق، ويبحث فيه القواعد الأساسية للعمليات الحسابية لاسيما الجمع والطرح كما يبدو من عنوانه. وله أيضًا كتاب الخطأين ؛ ويبحث فيه أصول حل المسائل الرياضية بطريق الخطأين. وكتاب الجبر والمقابلة وفيه يحاول تكملة ما استدركه على الخوارزمي، كما أشاد فيه بفضل الخوارزمي في علم الجبر والمقابلة. ويقول فيه ¸إن كتاب محمد بن موسى (الخوارزمي) المعروف بكتاب الجبر والمقابلة أصحها أصلاً، وأصدقها قياسًا، وكان مما يجب علينا من التقدمة الإقرار له بالمعرفة وبالفضل ؛ إذ كان السابق إلى كتاب الجبر والمقابلة، والمبتدئ له، والمخترع لما فيه من الأصول التي فتح الله لنا بها ما كان مغلقًا، وقرّب ما كان متباعدًا، وسّهل بها ما كان معسرًا، ورأيت فيها مسائل ترك شرحها وإيضاحها، ففرعت منها مسائل كثيرة، يخرج أكثرها إلى غير الضروب الستة التي ذكرها في كتابه… وبّينت شرحه، وأوضحت ما ترك إيضاحه وشرحه·. وله من الكتب الرياضية أيضًا كتاب الوصايا بالجذور، والشامل الذي يبحث في الجبر، وهو من أحسن الكتب التي ألّفت في ذلك العصر، وإليه أشار سميث في تاريخ الرياضيات بأنه كان وحيد عصره في حل المعادلات الجبرية، وفي كيفية استعمالها لحل المسائل الهندسية.
مهَّد مهندس العرب ثابت بن قرة (ت 288هـ، 900م) لإيجاد التكامل والتفاضل ؛ وذلك بحساب حجم الجسم المتولد عن دوران القطع المكافئ حول محوره. كما يُعزى إليه العثور على قاعدة تستخدم في إيجاد الأعداد المتحابة ؛ وهي أزواج نادرة من الأعداد لم يبحث فيها أحد قبله. ★ تَصَفح: الحساب في الجزء السابق من هذه المقالة. كما أن ثابت كان أول من بحث في المربعات السحرية بعد الصينيين. واستطاع أن يبتدع طريقة في تقسيم الزاوية بأسلوب لم يسبق إليه. وله ابتكارات في الهندسة التحليلية ؛ وهي الهندسة التي تستفيد من التطبيقات الجبرية.
صنّف ثابت بن قرة كثيرًا من المؤلفات في الرياضيات منها، على سبيل المثال، كتاب في المسائل الهندسية ؛ كتاب في المربع وقطره ؛ كتاب في الأعداد المتحابة ؛ تصحيح مسائل الجبر بالبراهين الهندسية ؛ المختصر في الهندسة ؛ كتاب في المثلث القائم الزاوية. كما ترجم العديد من الكتب من أشهرها كتاب المدخل إلى علم العدد لنيقوماخوس الجرشي (ت نحو 135م) نسبة إلى جرش (في الأردن اليوم). وهذا الكتاب الأول من نوعه الذي عالج فيه مؤلفه علم الحساب مستقلاً عن الهندسة. وكان من بين الفوائد التي ترتبت على ترجمة هذا الكتاب إدخال مصطلحات رياضية جديدة إلى اللغة العربية، كما أسهمت في توحيد الاصطلاحات والتعابير الرياضية التي احتاجها العلماء العرب والمسلمون إبان نهضتهم العلمية.
اشتهر البتاني (ت 317هـ، 929م) بوصفه فلكيًا أكثر منه رياضيًا. وهو من الذين أضافوا بحوثًا مبتكرة في الفلك والجبر والمثلثات ؛ لذا يعدّه الكثيرون من مؤرخي العلوم من عباقرة العالم الذين وضعوا نظريات مهمة. وهو الذي أدخل الجيب واستعمله بدلاً من كلمة الوتر ؛ إذ إنه ترك الحساب بالوتر، كما كان يفعل بطليموس ومن جاء بعده، وفضل حساب الهنود بالجيب (نصف الوتر). وهو الذي أدخل مصطلح جيب التمام وأول من عمل الجداول الرياضية لنظير المماس، وعرف قانون تناسب الجيوب، واستخدم معادلات المثلثات الكروية الأساسية والخطوط المماسة للأقواس، واستعان بها في حساب الأرباع الشمسية، وأطلق عليها اسم الظل الممدود ؛ أي خط المماس.
يعد أبو الوفاء البوزجاني (ت 388هـ، 998م) أحد الأئمة المعدودين في الرياضيات والفلك. وله فيهما مؤلفات قيمة، واعترف له كل من جاء بعده من رياضيي الشرق والغرب بأنه من أشهر الذين برعوا في الهندسة. وعندما ألّف في الجبر أضاف إضافات ذات شأن على بحوث الخوارزمي فاعتبرت أساسًا لعلاقة الهندسة بالجبر. وقد استعان بالهندسة في حل المعادلتيْن التاليتين:
س ¨ = حـ ، س ¨ + حـ س§ = ب
واستطاع أن يجد حلولاً لها تتعلق بالقطع المكافئ.
يعود الفضل للبوزجاني في وضع النسبة المثلثية (الظل)، وهو أول من استعملها في حلول المسائل الرياضية. كما أوجد طريقة جديدة لحساب جداول الجيب، وكانت جداوله دقيقة للغاية. ووضع بعض المعادلات التي تتعلق بجيب الزاويتيْن، وكشف بعض العلاقات بين الجيب والمماس والقاطع ونظائرها.
وللبوزجاني مؤلفات كثيرة قيمة في الرياضيات من أشهرها: منازل في الحساب ؛ وقد قسمه إلى سبعة أبواب احتوت على النسبة والضرب والقسمة والمساحة وحساب الخراج، والمقاسات والصروف ومعاملات التجار. ومن كتبه الأخرى: تفسير الجبر والمقابلة للخوارزمي ؛ المدخل إلى الأرثماطيقي ؛ كتاب استخراج الأوتار ؛ كتاب العمل بالجدول الستيني.
اشتهر ابن الهيثم بوصفه فيزيائياً، غير أن له في الرياضيات بحوثًا أصيلة تدل على أنه كان رياضياً بارعاً تجلت براعته في تطبيق الهندسة والمعادلات والأرقام في المسائل المرتبطة بالطبيعة والفلك، وفي البرهنة على قضاياها ببراهين غاية في البساطة أحيانًا، ومعقدة أحيانًا أخرى، وهي تتناول الهندسة بنوعيها المستوية والمجسمة.
طبق ابن الهيثم الهندسة على المنطق، ووضع في ذلك كتابًا. نقل ابن أبي أصيبعة في طبقات الأطباء قول ابن الهيثم ¸كتاب جمعت فيه الأصول الهندسية والعددية من كتاب أقليدس وأبولونيوس، ونوعت فيه الأصول وقسمتها، وبرهنت عليها ببراهين نظمتها من الأمور التعليمية والحسية والمنطقية، حتى انتظم ذلك مع انتقاص توالي أقليدس وأبولونيوس·.
اتبع ابن الهيثم منهجًا علمياً في بحوثه كلها، خصوصًا ما كان منها في الضوء. ★ تَصَفح إسهام ابن الهيثم في الجزء الخاص بالفيزياء من هذه المقالة. وكتبه المتعلقة بالرياضيات كثيرة منها: شرح أصول أقليدس في الهندسة والعدد ؛ تحليل المسائل الهندسية ؛ حساب المعاملات ؛ أصول المساحة وذكرها بالبراهين ؛ خواص المثلث من جهة العمود ؛ تربيع الدائرة ؛ كتاب في حساب الخطأين.
من القرن السادس إلى الحادي عشر الهجري. تغطي هذه الحقبة إسهام بعض العلماء الذين نبغوا في حقل العلوم الرياضية، بدءًا من عمر الخيام وانتهاءً ببهاء الدين العاملي. وتميزت هذه الحقبة بظهور علماء طوروا كثيرًا من أسس العلوم الرياضية التي تركها أسلافهم في الحقبة السابقة.
كان عمر الخيام من أنبغ الذين اشتغلوا في حقل الرياضيات ولاسيما الجبر، ودرس بدهيات هندسة أقليدس ونظرياتها العامة. والخيام من أوائل العلماء الذين حاولوا تصنيف المعادلات بحسب درجاتها وعدد الحدود التي فيها. واستخدم بعض المعادلات التي استعملها الخوارزمي من قبل في الجبر والمقابلة ؛ من ذلك:
س² + 10 س = 39
و س² + 20 = 10 س
و 3 س+ 4 = س²
واستطاع الخيام أن يحل المعادلات التكعيبية هندسياً، واعتبر أن المعادلات ذات الدرجات الأولى والثانية والثالثة إما أن تكون بسيطة مثل : س = ص ، م س = س§ أو مركبة مثل: س² + د س = ص ، س§ + دس² + جـ س = هـ، ووضع للمعادلات البسيطة ستة أشكال وللمركبة اثني عشر شكلاً.
ألف الخيام كثيرًا في الفلك والرياضيات وغيرهما بالفارسية، وأهم آثاره العربية في الرياضيات شرح ما يشكل من مصادرات أقليدس ؛ مقالة في الجبر والمقابلة.
كان أول من استخدم الرموز في الجبر القلصادي أبو الحسن علي القرشي (ت 891هـ، 1486م)، وقد نبغ في علم الحساب وألّف فيه مؤلفات ذات شأن. كما أبدع في نظرية الأعداد وفي بحوثه في علم الجبر. وأول مؤلف له اطلع عليه الأوروبيون كان كتاب كشف الأسرار عن علم الغبار.
أعطى القلصادي قيمة تقريبية للجذر التربيعي للكمية (س² + ص) كالتالي:
س² + ص =¬س² +ص = 4 س §+ 3 س ص / 4 س ² + ص وتُعتبر هذه المعادلة مهمة لأنها أبانت طريقة لحساب الجذور الصم بكسور متسلسلة. وقد استفاد من هذه العملية ليوناردو البيزي وغيره في استخراج القيم التقريبية للجذور الصم.
من مصنفاته في الرياضيات، كشف الجلباب عن علم الحساب ؛ قانون الحساب ؛ كتاب تبصرة في حساب الغبار ؛ كشف الأسرار عن علم الغبار وهو مختصر من كتاب كشف الجلباب عن علم الحساب. وهذا الكتاب يحتوي على مقدمة وأربعة أجزاء وخاتمة. وذكر في المقدمة صفة وضع حروف الغبار وما يتعلق بها. والجزء الأول يتناول عمليات الجمع والطرح والضرب والقسمة ومسائل تطبيقية، والثاني يتناول الكسور وإجراء العمليات الحسابية والجبرية عليها. والثالث يتناول الجذور. والرابع يتناول كيفية استخراج المجاهيل والجبر والمقابلة وعملياتهما. أما الخاتمة فتتناول الاستثناء في المعادلات والنسبة واستخراج العدد التام والناقص.
ظلت آثار بهاء الدين العاملي (ت 1031هـ، 1622م) في الرياضيات والفلك زمنًا طويلاً مرجعًا للكثير من العلماء والباحثين. ومن خلال عمله في إيجاد الجذور الحقيقية والتقريبية للمعادلات الجبرية، بالطريقة التي وضعها الخوارزمي، توصل إلى طريقة جديدة أسهل لحل هذه المعادلات، وأطلق على هذه الطريقة طريقة الكفتين أو الميزان. واستمر العمل بهذه الطريقة من بعده حتى ابتكر إسحق نيوتن طريقة أخرى لإيجاد الجذور الحقيقية التقريبية، هي التي تُطبق اليوم.
يعد كتاب خلاصة الحساب أشهر كتب العاملي ؛ إذ إنه انتشر انتشارًا كبيرًا في أوساط المعلمين والطلاب على حد سواء، وكان يستعمل إلى وقت قريب في بعض مدارس الشرق الإسلامي. ويتكون هذا الكتاب من عشرة أبواب تعليمية وفيه بعض الأساليب التي لم يُسبق إليها. وجاءت محتويات الأبواب العشرة كما يلي: تناول في البابين الأول والثاني الأعداد الصحيحة والجذور على التوالي. وتكلّم فيهما عن العمليات الحسابية المألوفة من جمع وطرح وقسمة وضرب، واستخراج جذور الكسور وتحويلها. وتناول في الأبواب من الثالث إلى الخامس كيفية استخراج المجهولات بالتناسب وبحساب الخطأين وبالتحليل والتعاكس. وخصص البابين السادس والسابع لحساب مساحة السطوح المستقيمة والأضلاع، والدوائر والمخروط، وقياس عرض الأنهار والمرتفعات وأعماق الآبار. وتناول في الباب الثامن استخراج المجهولات بطريق الجبر والمقابلة. أما البابان الأخيران فقد أورد فيهما بعض القواعد والمسائل التطبيقية من قبيل ¸شحذ ذهن الطالب وتمرينه على استخراج المطلب·.
صنّف الرياضيون العرب مؤلفات كثيرة في مختلف فروع العلوم الرياضية ؛ كثير منها كان موسوعيًا شمل كل هذه الفروع، بينما اقتصر بعضها الآخر على البحث في علم بعينه، أو فرع من هذا العلم. وقد أتوا على ذكر كل ما استجد في نظرهم من فروع هذا العلم من الأمم المجاورة وأضافوا عليه إضافات ذكروها في هذه المصنّفات وطبقوها عمليًا.
من القرن الثالث إلى الخامس الهجري. تغطي هذه الفترة إسهام بعض علماء الرياضيات في الحقبة الواقعة بين الخوارزمي وأبي الريحان البيروني. وقد نبغ في تلك الحقبة إلى جانب الخوارزمي والبيروني علماء كثيرون منهم، على سبيل المثال، أبو كامل شجاع بن أسلم وثابت بن قرة وسنان بن الفتح الحراني الحاسب والبوزجاني والبتاني وابن الهيثم وآخرون.
كان الخوارزمي أول من ألّف في الرياضيات على عهد المأمون الذي عيّنه رئيسًا لبيت الحكمة. وكان أعظم مؤلَّف له في حقل الرياضيات كتاب الجبر والمقابلة، وهو الكتاب الذي أثر في كل الأدبيات التي تناولت العلوم الرياضية من بعده، سواءً في الشرق أو الغرب. لذا عُدّ الخوارزمي واحدًا من أكبر الرياضيين في جميع العصور. وقد وضع هذا الكتاب بتكليف من الخليفة المأمون ليفيد الناس منه في التجارة والمواريث، والوصايا، وقياس المساحات الخاصة بالأراضي. واستخدم في هذا الكتاب مصطلح جبر لأول مرة. وقد ترجم هذا الكتاب إلى اللاتينية روبرت الشستري، وهو أول من ترجم القرآن إلى اللاتينية. وكانت ترجمة هذا الكتاب أساسًا لدراسات أشهر رياضيي الغرب مثل ليوناردو البيزي الذي اعترف بأنه مدين للعرب بذخيرته المعرفية في الرياضيات.
تناول الخوارزمي في الجبر والمقابلة موضوعات شتى في حل المعادلات الجبرية. تكلم أولاً عن العدد في حساب الجبر والمقابلة، وقسمه إلى جذر ومال وعدد مفرد، وأتى بأمثلة من المعادلات ذات الدرجة الثانية، وشرح حلولها بطريقة جبرية أو هندسية. وفي باب الضرب، بيَّن كيفية ضرب الأشياء ؛ أي الجذور بعضها ببعض، ثم باب الجمع والنقصان (الطرح)، ووضع فيه عدة قوانين لجمع المقادير الجبرية وطرحها وضربها وقسمتها، ثم باب المسائل الست ؛ وهي مسائل تطبيقية في الجبر أوردها بنصها ثم قام بحلها كنماذج للأبواب المتقدمة، ثم باب المسائل المختلفة ؛ وذكر فيها ضروبًا مختلفة من المسائل تؤدي إلى معادلات من الدرجة الثانية وشرح كيفية حلها. يلي ذلك أكثر الأبواب اعتمادًا على التطبيق العملي، وهو باب المعاملات ؛ ويتضمن المعاملات التي يقوم بها الناس فيما بينهم، ويحتاجون فيها إلى ضرب من عمليات الجبر والحساب كالبيع والشراء والإجارة، وأورد فيه مسائل تتناول البيع والإجارات وما يتعامل به الناس من الصرف والكيل والوزن. يأتي بعد ذلك باب المساحة وأوضح معنى الوحدة المستعملة في المساحات، وأعطى مساحات بعض السطوح المستقيمة الأضلاع والدوائر والقطاعات. أما الخاتمة فهي كتاب الوصايا، وتطرق فيه إلى مسائل عملية وأمثلة كثيرة تتعلق بالوصايا، وتقسيم التركات، وتوزيع المواريث، وحساب الدور الذي يشمل باب التزويج في المرض، وباب العتق في المرض، وباب في العقر في الدور، وباب السلم في المرض. ونعرض فيما يلي نصًا من حديثه في باب المساحة لجزالة لغته وسهولتها: ¸اعلم أن معنى واحد في واحد إنما هو مساحة، ومعناه ذراع في ذراع ؛ فكل سطح متساوي الأضلاع والزوايا، يكون من كل جانب واحدًا ؛ فإن السطح كله واحد. فإن كان من كل جانب اثنان (ذراعان) وهو متساوي الأضلاع والزوايا، فالسطح كله أربعة أمثال السطح الذي هو ذراع في ذراع… وكل سطح مربع يكون من كل جانب نصف ذراع فهو مثل ربع السطح الذي هو من كل جانب ذراع… وكل معينَّة (شكل معيَّن) متساوية الأضلاع، فإن ضربك أحد القطرين في نصف الآخر فهو تكسيرها (حاصل الضرب)، وكل مدورة (دائرة)، فإن ضربك القطر في ثلاثة وسُبع هو الدور (المحيط) الذي يحيط بها…·.
اشتهر أبو كامل شجاع بن أسلم (ت نحو 267هـ، 880م) بالحاسب المصري، وهو من المعاصرين للخوارزمي. ومن مؤلفاته في الرياضيات كتاب الجمع والتفريق، ويبحث فيه القواعد الأساسية للعمليات الحسابية لاسيما الجمع والطرح كما يبدو من عنوانه. وله أيضًا كتاب الخطأين ؛ ويبحث فيه أصول حل المسائل الرياضية بطريق الخطأين. وكتاب الجبر والمقابلة وفيه يحاول تكملة ما استدركه على الخوارزمي، كما أشاد فيه بفضل الخوارزمي في علم الجبر والمقابلة. ويقول فيه ¸إن كتاب محمد بن موسى (الخوارزمي) المعروف بكتاب الجبر والمقابلة أصحها أصلاً، وأصدقها قياسًا، وكان مما يجب علينا من التقدمة الإقرار له بالمعرفة وبالفضل ؛ إذ كان السابق إلى كتاب الجبر والمقابلة، والمبتدئ له، والمخترع لما فيه من الأصول التي فتح الله لنا بها ما كان مغلقًا، وقرّب ما كان متباعدًا، وسّهل بها ما كان معسرًا، ورأيت فيها مسائل ترك شرحها وإيضاحها، ففرعت منها مسائل كثيرة، يخرج أكثرها إلى غير الضروب الستة التي ذكرها في كتابه… وبّينت شرحه، وأوضحت ما ترك إيضاحه وشرحه·. وله من الكتب الرياضية أيضًا كتاب الوصايا بالجذور، والشامل الذي يبحث في الجبر، وهو من أحسن الكتب التي ألّفت في ذلك العصر، وإليه أشار سميث في تاريخ الرياضيات بأنه كان وحيد عصره في حل المعادلات الجبرية، وفي كيفية استعمالها لحل المسائل الهندسية.
مهَّد مهندس العرب ثابت بن قرة (ت 288هـ، 900م) لإيجاد التكامل والتفاضل ؛ وذلك بحساب حجم الجسم المتولد عن دوران القطع المكافئ حول محوره. كما يُعزى إليه العثور على قاعدة تستخدم في إيجاد الأعداد المتحابة ؛ وهي أزواج نادرة من الأعداد لم يبحث فيها أحد قبله. ★ تَصَفح: الحساب في الجزء السابق من هذه المقالة. كما أن ثابت كان أول من بحث في المربعات السحرية بعد الصينيين. واستطاع أن يبتدع طريقة في تقسيم الزاوية بأسلوب لم يسبق إليه. وله ابتكارات في الهندسة التحليلية ؛ وهي الهندسة التي تستفيد من التطبيقات الجبرية.
صنّف ثابت بن قرة كثيرًا من المؤلفات في الرياضيات منها، على سبيل المثال، كتاب في المسائل الهندسية ؛ كتاب في المربع وقطره ؛ كتاب في الأعداد المتحابة ؛ تصحيح مسائل الجبر بالبراهين الهندسية ؛ المختصر في الهندسة ؛ كتاب في المثلث القائم الزاوية. كما ترجم العديد من الكتب من أشهرها كتاب المدخل إلى علم العدد لنيقوماخوس الجرشي (ت نحو 135م) نسبة إلى جرش (في الأردن اليوم). وهذا الكتاب الأول من نوعه الذي عالج فيه مؤلفه علم الحساب مستقلاً عن الهندسة. وكان من بين الفوائد التي ترتبت على ترجمة هذا الكتاب إدخال مصطلحات رياضية جديدة إلى اللغة العربية، كما أسهمت في توحيد الاصطلاحات والتعابير الرياضية التي احتاجها العلماء العرب والمسلمون إبان نهضتهم العلمية.
اشتهر البتاني (ت 317هـ، 929م) بوصفه فلكيًا أكثر منه رياضيًا. وهو من الذين أضافوا بحوثًا مبتكرة في الفلك والجبر والمثلثات ؛ لذا يعدّه الكثيرون من مؤرخي العلوم من عباقرة العالم الذين وضعوا نظريات مهمة. وهو الذي أدخل الجيب واستعمله بدلاً من كلمة الوتر ؛ إذ إنه ترك الحساب بالوتر، كما كان يفعل بطليموس ومن جاء بعده، وفضل حساب الهنود بالجيب (نصف الوتر). وهو الذي أدخل مصطلح جيب التمام وأول من عمل الجداول الرياضية لنظير المماس، وعرف قانون تناسب الجيوب، واستخدم معادلات المثلثات الكروية الأساسية والخطوط المماسة للأقواس، واستعان بها في حساب الأرباع الشمسية، وأطلق عليها اسم الظل الممدود ؛ أي خط المماس.
يعد أبو الوفاء البوزجاني (ت 388هـ، 998م) أحد الأئمة المعدودين في الرياضيات والفلك. وله فيهما مؤلفات قيمة، واعترف له كل من جاء بعده من رياضيي الشرق والغرب بأنه من أشهر الذين برعوا في الهندسة. وعندما ألّف في الجبر أضاف إضافات ذات شأن على بحوث الخوارزمي فاعتبرت أساسًا لعلاقة الهندسة بالجبر. وقد استعان بالهندسة في حل المعادلتيْن التاليتين:
س ¨ = حـ ، س ¨ + حـ س§ = ب
واستطاع أن يجد حلولاً لها تتعلق بالقطع المكافئ.
يعود الفضل للبوزجاني في وضع النسبة المثلثية (الظل)، وهو أول من استعملها في حلول المسائل الرياضية. كما أوجد طريقة جديدة لحساب جداول الجيب، وكانت جداوله دقيقة للغاية. ووضع بعض المعادلات التي تتعلق بجيب الزاويتيْن، وكشف بعض العلاقات بين الجيب والمماس والقاطع ونظائرها.
وللبوزجاني مؤلفات كثيرة قيمة في الرياضيات من أشهرها: منازل في الحساب ؛ وقد قسمه إلى سبعة أبواب احتوت على النسبة والضرب والقسمة والمساحة وحساب الخراج، والمقاسات والصروف ومعاملات التجار. ومن كتبه الأخرى: تفسير الجبر والمقابلة للخوارزمي ؛ المدخل إلى الأرثماطيقي ؛ كتاب استخراج الأوتار ؛ كتاب العمل بالجدول الستيني.
اشتهر ابن الهيثم بوصفه فيزيائياً، غير أن له في الرياضيات بحوثًا أصيلة تدل على أنه كان رياضياً بارعاً تجلت براعته في تطبيق الهندسة والمعادلات والأرقام في المسائل المرتبطة بالطبيعة والفلك، وفي البرهنة على قضاياها ببراهين غاية في البساطة أحيانًا، ومعقدة أحيانًا أخرى، وهي تتناول الهندسة بنوعيها المستوية والمجسمة.
طبق ابن الهيثم الهندسة على المنطق، ووضع في ذلك كتابًا. نقل ابن أبي أصيبعة في طبقات الأطباء قول ابن الهيثم ¸كتاب جمعت فيه الأصول الهندسية والعددية من كتاب أقليدس وأبولونيوس، ونوعت فيه الأصول وقسمتها، وبرهنت عليها ببراهين نظمتها من الأمور التعليمية والحسية والمنطقية، حتى انتظم ذلك مع انتقاص توالي أقليدس وأبولونيوس·.
اتبع ابن الهيثم منهجًا علمياً في بحوثه كلها، خصوصًا ما كان منها في الضوء. ★ تَصَفح إسهام ابن الهيثم في الجزء الخاص بالفيزياء من هذه المقالة. وكتبه المتعلقة بالرياضيات كثيرة منها: شرح أصول أقليدس في الهندسة والعدد ؛ تحليل المسائل الهندسية ؛ حساب المعاملات ؛ أصول المساحة وذكرها بالبراهين ؛ خواص المثلث من جهة العمود ؛ تربيع الدائرة ؛ كتاب في حساب الخطأين.
من القرن السادس إلى الحادي عشر الهجري. تغطي هذه الحقبة إسهام بعض العلماء الذين نبغوا في حقل العلوم الرياضية، بدءًا من عمر الخيام وانتهاءً ببهاء الدين العاملي. وتميزت هذه الحقبة بظهور علماء طوروا كثيرًا من أسس العلوم الرياضية التي تركها أسلافهم في الحقبة السابقة.
كان عمر الخيام من أنبغ الذين اشتغلوا في حقل الرياضيات ولاسيما الجبر، ودرس بدهيات هندسة أقليدس ونظرياتها العامة. والخيام من أوائل العلماء الذين حاولوا تصنيف المعادلات بحسب درجاتها وعدد الحدود التي فيها. واستخدم بعض المعادلات التي استعملها الخوارزمي من قبل في الجبر والمقابلة ؛ من ذلك:
س² + 10 س = 39
و س² + 20 = 10 س
و 3 س+ 4 = س²
واستطاع الخيام أن يحل المعادلات التكعيبية هندسياً، واعتبر أن المعادلات ذات الدرجات الأولى والثانية والثالثة إما أن تكون بسيطة مثل : س = ص ، م س = س§ أو مركبة مثل: س² + د س = ص ، س§ + دس² + جـ س = هـ، ووضع للمعادلات البسيطة ستة أشكال وللمركبة اثني عشر شكلاً.
ألف الخيام كثيرًا في الفلك والرياضيات وغيرهما بالفارسية، وأهم آثاره العربية في الرياضيات شرح ما يشكل من مصادرات أقليدس ؛ مقالة في الجبر والمقابلة.
كان أول من استخدم الرموز في الجبر القلصادي أبو الحسن علي القرشي (ت 891هـ، 1486م)، وقد نبغ في علم الحساب وألّف فيه مؤلفات ذات شأن. كما أبدع في نظرية الأعداد وفي بحوثه في علم الجبر. وأول مؤلف له اطلع عليه الأوروبيون كان كتاب كشف الأسرار عن علم الغبار.
أعطى القلصادي قيمة تقريبية للجذر التربيعي للكمية (س² + ص) كالتالي:
س² + ص =¬س² +ص = 4 س §+ 3 س ص / 4 س ² + ص وتُعتبر هذه المعادلة مهمة لأنها أبانت طريقة لحساب الجذور الصم بكسور متسلسلة. وقد استفاد من هذه العملية ليوناردو البيزي وغيره في استخراج القيم التقريبية للجذور الصم.
من مصنفاته في الرياضيات، كشف الجلباب عن علم الحساب ؛ قانون الحساب ؛ كتاب تبصرة في حساب الغبار ؛ كشف الأسرار عن علم الغبار وهو مختصر من كتاب كشف الجلباب عن علم الحساب. وهذا الكتاب يحتوي على مقدمة وأربعة أجزاء وخاتمة. وذكر في المقدمة صفة وضع حروف الغبار وما يتعلق بها. والجزء الأول يتناول عمليات الجمع والطرح والضرب والقسمة ومسائل تطبيقية، والثاني يتناول الكسور وإجراء العمليات الحسابية والجبرية عليها. والثالث يتناول الجذور. والرابع يتناول كيفية استخراج المجاهيل والجبر والمقابلة وعملياتهما. أما الخاتمة فتتناول الاستثناء في المعادلات والنسبة واستخراج العدد التام والناقص.
ظلت آثار بهاء الدين العاملي (ت 1031هـ، 1622م) في الرياضيات والفلك زمنًا طويلاً مرجعًا للكثير من العلماء والباحثين. ومن خلال عمله في إيجاد الجذور الحقيقية والتقريبية للمعادلات الجبرية، بالطريقة التي وضعها الخوارزمي، توصل إلى طريقة جديدة أسهل لحل هذه المعادلات، وأطلق على هذه الطريقة طريقة الكفتين أو الميزان. واستمر العمل بهذه الطريقة من بعده حتى ابتكر إسحق نيوتن طريقة أخرى لإيجاد الجذور الحقيقية التقريبية، هي التي تُطبق اليوم.
يعد كتاب خلاصة الحساب أشهر كتب العاملي ؛ إذ إنه انتشر انتشارًا كبيرًا في أوساط المعلمين والطلاب على حد سواء، وكان يستعمل إلى وقت قريب في بعض مدارس الشرق الإسلامي. ويتكون هذا الكتاب من عشرة أبواب تعليمية وفيه بعض الأساليب التي لم يُسبق إليها. وجاءت محتويات الأبواب العشرة كما يلي: تناول في البابين الأول والثاني الأعداد الصحيحة والجذور على التوالي. وتكلّم فيهما عن العمليات الحسابية المألوفة من جمع وطرح وقسمة وضرب، واستخراج جذور الكسور وتحويلها. وتناول في الأبواب من الثالث إلى الخامس كيفية استخراج المجهولات بالتناسب وبحساب الخطأين وبالتحليل والتعاكس. وخصص البابين السادس والسابع لحساب مساحة السطوح المستقيمة والأضلاع، والدوائر والمخروط، وقياس عرض الأنهار والمرتفعات وأعماق الآبار. وتناول في الباب الثامن استخراج المجهولات بطريق الجبر والمقابلة. أما البابان الأخيران فقد أورد فيهما بعض القواعد والمسائل التطبيقية من قبيل ¸شحذ ذهن الطالب وتمرينه على استخراج المطلب·.
|
|||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
أشهر علماء الرياضيات وأهم مؤلفاتهم | |||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
|||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|